كتب شارل جبور في نداء الوطن:
عندما بدأ الانقسام بين اللبنانيين منذ منتصف ستينات القرن الماضي حول الأعمال العسكرية من لبنان ضدّ إسرائيل، كان هناك سيادة وأمن وسلاح واحد وبالمختصر كانت هناك دولة، وهذا الانقسام بين من هو مع هذه الأعمال ومن هو ضدها أدّى إلى شلّ دور الدولة السيادي وتعطيله، ولو منعت هذه العمليات بالقوة لما سقطت الدولة.
فالخلل قبل الحرب لم يكن في احتكار القوة المسلحة التي كانت مع الدولة، إنما في غياب القرار في استخدام هذه القوة من أجل فرض السيادة ومنع تحويل لبنان إلى ساحة، وبعد تعطيل قرار الدولة، أصبح هدف المعطِّل وضع يده على القرار لضمان استمرار وضعيته الشاذة على الأرض، وهذا تحديداً ما شكل أولوية الأولويات لدى الممانعة بشقيها الأسدي والخامنئي، والتي صادرت وأطبقت على القرار السياسي للدولة منذ العام 1991 حتى مطلع العام الحالي.
فاحتكار الدولة للسلاح هو هدف وطني ودستوري أساسي، ويستحيل أن تنعم أي دولة بالاستقرار والازدهار إذا لم تكن وحدها تحتكر السلاح، وكل الكلام عن قدرة التعايش بين سلاحين أسقطته الوقائع من خلال تجربة طويلة امتدّت على ستة عقود، فلا التعايش مع السلاح الفلسطيني كان ممكناً، ولا التعايش مع الوجود العسكري الأسدي كان ممكناً، ولا التعايش مع سلاح “حزب الله” كان ممكناً، وكل محاولات فلسفة هذا التعايش بعناوين وشعارات من قبيل “جيش وشعب ومقاومة” للدلالة على وحدة هذا المثلّث، سقطت وأسقطت معها البلد في حروب وكوارث.
وعلى الرغم من قدسية هدف احتكار الدولة وحدها للسلاح، إلا أنه لا يفيد بشيء إذا لم تكن هناك قناعة لدى من يتبوأ موقع المسؤولية بأن القرار الدولتي أهم من عامل القوة، والدليل ما حصل قبل الحرب، فالدولة كانت أقوى من الفصائل الموجودة على الأرض، والمشكلة لم تكن في من هو الأقوى، إنما في غياب القرار السياسي.
وعلى الرغم من أن جيش الأسد في تسعينات القرن الماضي كان أقوى من الجيش اللبناني الذي خرج من الحرب منهكاً ومقسماً، ولكن الأسد لم يحكم لبنان بجيشه، إنما من خلال سيطرته على قرار الدولة التي عبّرت أمام العالم عن حاجتها للوجود العسكري الأسدي، ولو كان الموقف الرسمي مختلفاً لكان اضطر المجتمع الدولي لأن يطلب من الأسد إخراج جيشه من لبنان.
قد يقول البعض إن “حزب الله” قبل حرب “الإسناد” كان أقوى من الجيش اللبناني، ولكنه بعد هذه الحرب أصبح الجيش هو الأقوى، لأنها قضت على بنيته العسكرية وقياداته التاريخية وآلاف كوادره، وقطعت شريان تنفسه العسكري والمالي، وبالتالي بات بإمكان الجيش أن ينتشر بالقوة، ولكن هذه المقاربة ليست الأساس كون القوة ليست في الحديد والنار، إنما في القرار المرتكز على القوة السياسية والدبلوماسية.
فمن كان يتصوّر أن الجيش الأوكراني باستطاعته مواجهة الجيش الروسي، ولكن عندما وقف العالم كله خلف قرار أوكرانيا بالمواجهة نجحت في ضرب صورة جيش يصوِّر نفسه بأنه لا يُهزم ولا يُقهر.
وعندما تدعو الممانعة إلى تقوية الجيش قبل دعوتها إلى تسليم سلاحها، ليس هدفها إطلاقاً الوصول إلى جيش قوي، إنما هدفها عدم تسليم سلاحها من خلال التذرُّع بقوة إسرائيل وضعف لبنان من دونها، وكل منطق الممانعة كان قائماً على سباق التسلُّح في مواجهة إسرائيل، وكانت تدعّي قدرتها على إزالة تل أبيب، وهذا الإدعاء طبعاً هو من أجل السيطرة على لبنان والدول العربية، لأنها تدرك ضمنا بأنها أعجز من مواجهة إسرائيل، ولم تكن في وارد أساساً مواجهتها، ولكن إحدى النتائج الأساسية لحرب الطوفان التي كانت خارج حساباتها وأهدافها، أنها عرّت كل من يلوم ضعف الجيش، وقد أظهرتها الحرب على حقيقتها بأنها مجرّد صورة بشعة مختلقة ومقتبسة عن “غرندايزر”.
فالمعيار السيادي ليس في سباق التسلُّح وليس بالقوة، فالرئيس صدام حسين نجح في اجتياح الكويت، ولكنه خرج منها مهزوماً واجتياحه أدى إلى هزيمته، إنما المعيار الأساسي يكمن في مستويين أساسيين:
المستوى الأول يتعلّق في القرار السياسي الرسمي الذي عليه أن يسمي الأمور بأسمائها، ويرفض الانتقاص من دور الدولة السيادي، ولا يدوِّر الزوايا في التسميات، إنما يوصِّف مثلاً إطلاق أي صاروخ من الأراضي اللبنانية من دون علم الدولة بأنه عمل إرهابي ضد الدولة اللبنانية، فمن يدافع عن لبنان هو الدولة وفقاً للدستور والقرارات الدولية واتفاق وقف إطلاق النار والبيان الوزاري، وأي عمل مسلّح خارج الدولة هو إرهابي وليس عملاً مقاوماً.
فالتصنيف مسألة أساسية كون التسميات تعطي الشرعية والمشروعية والغطاء لبعض التنظيمات، فلا يوجد من الآن فصاعداً أي شيء اسمه مقاومة، وأي عمل مسلّح من خارج الدولة هو عمل إرهابي، ويجب التعامل معه على هذا الأساس.
المستوى الثاني يرتبط بالتنفيذ على أرض الواقع، فالدولة هي هيبة، وعندما تفقد هيبتها تفقد سلطتها، ودور الدولة في السهر على تطبيق الدستور والقانون وحماية السيادة، وهذا الدور لا يتمّ بالتراضي، إنما بالقوة.
والمطلوب من الدولة اختصاراً تصنيف أي عمل مسلّح خارج الدولة بأنه إرهابي واعتداء على السيادة اللبنانية، وأن تعمد إلى بسط سلطتها على كامل التراب اللبناني بالقوة.