جاء في المدن:
من المتوقع أن تصل إلى لبنان، في الأسبوع الأول بعد عيد الفطر، الموفدة الأميركيّة مورغان أورتاغوس لمواكبة سير تطبيق القرار 1701 والمراحل التي قطعها حتى اليوم. استناداً لزيارتها الأولى التي أنتجت تشكيلاً سريعاً للحكومة بقوة الفرض، فإن جدول أعمال الزيارة المرتقبة يتعلق بالوضع في الجنوب وسلاح حزب الله. تكشف المعلومات المستقاة من مصادر العاملين على خط تنظيم الزيارة أن البحث سيتركز مع الرؤساء الثلاثة حول تسليم سلاح حزب الله ولو بالقوة أو إعادته إلى مصادره أي إلى سوريا ليصار إلى تدميره، وتطبيق القرار 1680 الذي يؤكد على تطبيق القرار 1559، ويدعو الحكومة اللبنانية إلى ممارسة سلطاتها الكاملة دون تدخل خارجي، ويدعو سوريا إلى ترسيم الحدود مع لبنان انطلاقاً من مزارع شبعا.
تريد أورتاغوس أن ترى خطوات عملية “أكثر جدية” في موضوع سلاح حزب الله ، ولا تعتبر أن كمية مخازن الأسلحة المصادرة من قبل الجيش اللبناني تكفي، وتريد التأكد من قدرة الحكومة والجيش على نزع سلاح حزب الله كلياً والتأكد من أن السلاح سينتهي بتفجيره وليس بتسليمه للجيش، بدليل أن الجيش يعمد وبشكل يومي تقريباً إلى تفجير كميات السلاح التي يصادرها لأنه من غير المستحب الاحتفاظ بها. وللمفارقة فقد منع رئيس لجنة المراقبة الجنرال الأميركي الجيش من أخذ الأسلحة والذخائر التي تركتها المقاومة وأصر على تفجيرها.
تحولات في طبيعة الصراع
ستعكس زيارة الموفد الأميركية سياسة بلادها الآخذة في التشدد. في السنوات الأخيرة، شهدت منطقة الشرق الأوسط تحوّلات كبيرة في طبيعة الصراعات بين القوى الكبرى والإقليمية، حيث كانت الحروب بالوكالة هي السمة الغالبة. إلّا أن المتغيرات العسكرية والسياسية المتسارعة أظهرت إمكانية الانتقال من هذا النمط إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وإيران التي تسعى لتعزيز نفوذها الإقليمي من جهة أخرى.
لطالما سعت إيران إلى توسيع نفوذها والتصدي لإسرائيل دون الدخول في مواجهة مباشرة معها، وذلك عبر دعم قوى موالية لها في لبنان وغزة وسوريا والعراق، في حين أن إسرائيل حصلت على دعم كبير من الولايات المتحدة الأميركية خصوصاً في الجوانب العسكرية والتكنولوجية والسياسية بهدف تعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي على جبهات متعدّدة، ودعمها الاستراتيجي للأنظمة الدفاعية المتطورة مثل “القبة الحديدية” وصواريخ “Arrow”، والأهم تزويدها بحوالي 85 قنبلة (Guided Bomb Unit GBU – 28) الخارقة ضد الملاجئ والتحصينات زنة الواحدة منها حوالي 2000 كلغ، وهي من أكثر أنواع الأسلحة تدميراً في الترسانة العسكرية الأميركية (استخدمت في عملية اغتيال السيد حسن نصرالله)، بالإضافة إلى التأثير السياسي الذي تمارسه أميركا لدعم إسرائيل على المستوى الدولي والإقليمي، وعبر فرض العقوبات الاقتصادية على إيران بهدف إضعاف قدراتها التوسعية في المنطقة.
غالباً ما تتغير قواعد الاشتباك في الحروب مع تغيّر الظروف السياسية والعسكرية، وتبدأ هذه التحولات بإعادة رسم الخطوط الفاصلة بين القوى المتصارعة والمتنازعة، مما يفتح الباب أمام صراعات جديدة مع تعقيدات لا يمكن حصرها. هذه التحولات تثير العديد من الأسئلة حول المستقبل الأمني والسياسي والاقتصادي للمنطقة. ففي العقدين الأخيرين، كانت الحروب بالوكالة بين إسرائيل وإيران حلّاً استراتيجياً مريحاً للجميع.
تحول في قواعد الاشتباك
لكن المنطقة شهدت في الآونة الأخيرة تحولاً في قواعد الاشتباك بين إسرائيل وإيران، والصراع الذي كان يتم بالوكالة، بدأ يتصاعد إلى مستويات أكبر على الساحة العسكرية. شنّت إسرائيل سلسلة من الهجمات على مواقع عسكرية سورية وعلى مواقع إيرانية، بينما ردّت إيران بطرق غير مباشرة باستهداف إسرائيل عبر حلفائها في غزة ولبنان وصولاً الى اليمن، كما قامت بتكثيف دعمها للقوى المسلحة الموالية لها في سوريا والعراق، وهذا كان السبب الرئيسي في توسيع دائرة المواجهة بشكل أكبر للوصول الى ما وصلت اليه المنطقة من خلال البدء بتفتيت الدول المحيطة بإسرائيل وضم أجزاء منها لتحقيق حلم إسرائيل.
ويعزز التدخل الأميركي المستمر من قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها وعلى الرد بشكل فاعل على التهديدات الإيرانية، وتتقصد الولايات المتحدة الاميركية الضغط على إسرائيل لوقف تصعيدها العسكري على لبنان وغزة، كي لاترفع و تزيد من وتيرة الصراع وتعزّز تدهور العلاقات بين الأطراف المعنية في المنطقة والخليج العربي.
أكثر من أي وقت مضى، تزداد احتمالية الانتقال إلى مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران، خصوصاً في ظل التوترات المتزايدة في الخليج العربي، حيث تواصل إيران تعزيز قدراتها العسكرية النووية، ما يرفع مستوى الاستنفار الإقليمي والدولي. في المقابل، تعمل إسرائيل على تعزيز أنظمتها الدفاعية لمواجهة أي تهديدات محتملة.
وفي حال تصاعدت الأمور إلى مواجهة مباشرة، فسيكون لها تداعيات بعيدة المدى على الأمن الإقليمي والدولي. فهذه المواجهة لن تقتصر على تغيير موازين القوى العسكرية فقط، بل قد تؤدي إلى تغييرات جوهرية في التحالفات الإقليمية والدولية، وستؤثر بشكل كبير على استقرار الأسواق العالمية، وأهمها أسواق النفط والغاز. وستكون الدول المجاورة مثل العراق وسوريا ولبنان في قلب العاصفة، مما قد يؤدي إلى تغييرات دراماتيكية في أوضاعها السياسية والأمنية والاقتصادية.
وعلى ما تظهره تقارير الديبلوماسيين والتي تتقاطع مع تقارير عسكرية، فإن المواجهة المباشرة بين اسرائيل وإيران ستكون قاب قوسين أو أدنى، وهذا ما سيؤثر على استقرار المنطقة برمتها، وسيزيد من احتمالات أن يصبح الصراع المباشر بين القوى الإقليمية والدولية واقعاً لا مفرّ منه.