IMLebanon

ملفات الأسد

أسهمت الوقائع المتناقضة المحيطة بالشأن السوري في وقوع تغطيات إعلامية في حال نافر من عدم الاتساق. ففي الوقت الذي لا تزال فيه مفاوضات جنيف مستمرة كشفت مجلة «نيويوركر» ماُوصف بأنه كنز من الوثائق التي تمهد الطريق لمحاكمة الرئيس السوري بشار الأسد في عمليات التعذيب والقتل الجماعي.

هذه الوثائق قال عنها محقق دولي إنها أغنى من أي ملف مشابه حقق فيه في المنطقة.

لكن كشف تلك الوثائق لم يعرقل مسار المفاوضات ولا التغطية الإعلامية لها طبًعا٬ بل ها هو النظام يمارس ما اعتاده من ازدواجية عبر مسرحية الانتخابات البرلمانية التي طغت فيها شعارات عراضات فلكلورية وشعارات تلقينية٬ من نوع أن من لا يشارك في الاقتراع فهو خائن وعميل. وهنا تفوق الإعلام السوري على نفسه مجدًدا٬ حين استعان بضيوف ناقشوا دراسة لا ندري من أين استقوها٬ ولكنها بحسبهم تخلص إلى أن الشباب العربي وبعد ما حصل في السنوات الأخيرة بات يفضل الديكتاتورية على الديمقراطية٬ وأن هذا بحد ذاته انتصار للمنطق السوري الرسمي.

في الحقيقة فإن الفصام هذه المرة ليس محصوًرا بالإعلام السوري٬ بل بات سمة التعامل الإعلامي والسياسي الغربي مع الشأن السوري؛ فأن تبث نشرة أخبار لقناة دولية تقريًرا مسهًبا عما نشرته مجلة «نيويوركر» من وثائق تعد الأهم والأضخم٬ التي تثبت ارتباط الرئيس السوري بشار الأسد بعمليات التعذيب والقتل الجماعي٬ وفي النشرة نفسها يظهر خبر احتفاء النظام نفسه بمسرحية الانتخابات البرلمانية دون التنبه إلى التنافر الكبير بين الحدثين٬ فهنا قصور بات سمة المقاربة لكل ما له علاقة بالوضع السوري.

فالعالم تطبع مع حقيقة أن نظام الأسد يمارس أفظع عمليات القتل وأشرسها٬ ومع ذلك فهناك تواطؤ على بقائه٬ بل وحوار يجري في أروقة عالمية وزيارات دولية تشبه تماًما الاحتفاليات الفارغة بمهزلة ما يسمى الانتخابات البرلمانية. وهنا فنحن نستحق حين يخرج علينا أحد مسؤولي النظام فيصل المقداد٬ ويقول إن رحيل الأسد لن يحصل اليوم ولا غًدا ولا أبًدا٬ معيًدا إلى التداول ذاك الشعار المقيت «قائدنا إلى الأبد».

أن تبث وسيلة إعلامية ما٬ خصوًصا في الغرب٬ خبري كشف الوثائق والانتخابات في سياق واحد٬ فهذا يثبت نمط التعامل الحاصل مع الشأن السوري بحيث يصبح كل شيء طبيعًيا ومتلاصًقا إلى حد مذهل. وأن يردنا مسؤولو النظام إلى عبارات «الأبد» السوري بعد تدمير البلاد وسقوط نصف مليون قتيل٬ فهذا انتشاء بأن الواقع المعقد يسمح إلى هذا الحد بتجاور المستحيلات.

أن تظهر وثائق جديدة تدين النظام الأسد وتثبت مسؤوليته المباشرة عن عمليات التصفية والتعذيب في السجون لا يلغي أيًضا أن هناك انتخابات برلمانية٬ وأن هناك اهتماًما إعلامًيا بها وتغطية يقارب الحياد فيها في اللغة المستخدمة حد التواطؤ٬ بحيث لا حرج من ذاك الطرح الخبيث بأن الانتخابات مناسبة لمقارنة النظام ببدائله التكفيرية٬ بحيث تصبح مسألة «البديل» هي الشماعة التي تعلق عليها الانتهاكات والصمت المدوي بشأنها.

أليست هذه لغة الغرب وهي تتكرس إعلامًيا؟!