تلوث مفهوم الصلاحيات في فلسفة القانون مداولات قانونيين ولا نقول حقوقيين وتأويلات حول صلاحيات الوزير والتنافس على الوزارات كأنها اقطاعيات تمارس سلطة مطلقة بمعزل عن الحكومة ورئاسة الدولة. هل الصلاحية نفوذ أم مرجعية تقريرية استناداً إلى قواعد حقوقية ناظمة؟ الحاجة في اللغة العربية إلى التمييز، استناداً إلى المرجعية الرومانية بين السلطة الناظمة autorité / auctoritas والنفوذ pouvoir / potestas. ساهمت سلطات الاحتلال المباشر أو بالوكالة والتابعين في الداخل في تلوث كل المصطلحات.
1. ما معنى صلاحية؟ ليست الصلاحية compétence نفوذاً استنسابياً بل هي مفهوم وظيفي خاضع لمعايير استناداً إلى كل المؤلفات الحقوقية والاجتهادات الدستورية:
« Il est malaisé de définir la compétence des critères de sa mise en œuvre, ce que la rend largement fonctionnelle. Pour l’essentiel, la compétence est une notion fonctionnelle relative et subordonnée. »
Philippe Théry, « Compétence », ap. Denis Alland et Stéphane Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, Lamy-PUF, 2003, 1650 p., pp. 247-251.
G. Jèze, « Essai d’une théorie générale de la compétence pour l’accomplissement des actes juridiques en droit français », RDP, 1928, p. 58 et sq.
هل ولّى زمن مونتسكيو وكبار الحقوقيين الذي نظّروا لمبدأ الفصل بين السلطات للحدّ من السلطة المطلقة؟ وهل ولّى زمن الآباء المؤسسين الذين أسهموا عبر التاريخ في تفاصيل المبدأ ومضمونه؟
هل أصبحت السلطة في لبنان نفوذاً مع تخمة حيثيات في حين أن مفهوم الحدود limite هو في جوهر فلسفة القانون وينبع منه حظر تجاوز حد السلطة abus de droit. جاء في كلام رئيس الدولة جوزاف عون لقضاة في 4/2/2025: “حتى ولو طلبت منكم شخصياً اتخاذ قرار مخالف للقانون، فعليكم التمتع بالجرأة اللازمة لرفض الطلب”.
2. لا سلطة مطلقة للوزير ولا لأي مسؤول في أعلى القمة! إن قرار المجلس الدستوري رقم 7 تاريخ 3/7/2020 حول إلغاء القانون رقم 2020/7 والذي لم يُدرك أحد خطورته هو تعميم اللاقانون ومأسسة الزبائنية! يتعلق القانون المطعون به بتحديد آلية التعيين في الفئة الأولى في الإدارات العامة وفي المراكز العليا.
كل ما تعلمته في القانون الإداري في كلية الحقوق بفضل العلاّمة Philippe Ardant، في السنوات 1959-1960، وفي مؤلفات رائدة حول “العمل الحكومي” actes de gouvernement وهي أعمال تنحصر في شؤون الأمن القومي والعمل الديبلوماسي ينقضه هذا القرار للمجلس الدستوري.
يُستخلص من القرار أن الوزير يمارس سلطة مطلقة وبلا حدود! أصبح كل قرار في لبنان acte de gouvernement! لا اطلاقية لأي سلطة في دولة الحق! حتى في القبائل يتم اللجوء إلى آليات تشاورية وتسلسلية وخضوع لقيم ناظمة. وحتى البابوية الكاثوليكية التي يتم توصيفها بمعصومة عن الخطأ infaillible يسبق مواقفها سينودس للتشاور والتقرير! وحتى الله عزّ وجلّ في خلقه الإنسان حراً تنازل عن إطلاقية سلطته!
يمكن تفنيد الملاحظات التالية في قرار المجلس الدستوري سنة 2020 التي هي مأسسة للزبائنية. يتكرّر في القرار رفض مبدأ الحدود limite أكثر من عشر مرات وبالعبارات الصريحة الآتية:
“انتقص من سلطة الوزير الدستورية (…) وأيضاً من سلطته في اتخاذ القرار”.
“انتقص من سلطة مجلس الوزراء”
“تقليص دور الوزير المختص إلى مجرد التنسيق”.
“يستعيد حينها الوزير، وبقطع النظر عن عدم دستورية اللجنة، كامل صلاحياته وسلطته في اقتراح من يراه ويراهم أكثر كفاءة للوظيفة الشاغرة، إذ ليس في الأمر مباراة تلزم بالتقيّد”.
“حيث أن سلطة الوزير تُشكل في حقيقة الأمر ضمانة دستورية”.
“وبما أنه لا يصح تقييد سلطة مجلس الوزراء (…) وفرض شروط مقيّدة لممارستها”.
“ما تتخذه اللجنة من مقررات ليس قيداً لسلطة مجلس الوزراء (…) ويصبح محصوراً لزوماً بالأشخاص الذين تُسميهم اللجنة دون سواهم”.
“وبما أن مضمون القانون الحالي يحدّ من سلطة مجلس الوزراء ويقيّدها”.
يتم الاستناد في القرار إلى المادة 65 من الدستور، في حين أن هذه المادة بالذات تُحد من سلطة النفوذ في مجلس الوزراء. لا يذكر القرار أي مبدأ في التنظيم الإداري والرقابة التسلسلية! أين مفاهيم ومعايير الرقابة ومضمونها، والرقابة التسلسلية، والتسلسل الهرمي، وتوزيع المهمات، وتحديد مواصفات كل موقع، والمسؤولية في الرقابة التسلسلية subsidiarité؟
كل هذه المفاهيم غائبة تماماً في القرار. لماذا يوجد مجلس خدمة مدنية ومعهد وطني للإدارة وموظفون وتسلسل وظيفي؟ كلهم – حسب القرار – مرؤوسون (وفق التعبير العثماني القديم) تابعون لإطلاقية السلطة – النفوذ! وما معنى كفاءة وصلاحية compétence التي تُحددها القواميس بأنها “القدرة المعترف بها في قضية توفر الحق في التقرير”. يتمتع كل وزير حسب القرار بصلاحية غير مقيّدة وهو القاضي السامي في الحكم المبرم، في حين أن صلاحية أي وزير هي بالضرورة مقيّدة، بمعنى أنها تُمارس ضمن الحدود التي يرسمها القانون.
ويتضمن القرار أمراً مبرماً للمجلس النيابي بعدم إعداد أي نص تشريعي آخر حتى معدلاً!
يأمر القرار على المجلس النيابي، الذي هو السلطة التشريعية الأم، بعدم إعداد أي نص تشريعي آخر، بهذه العبارات الصارمة: “حيث لا يمكن (كذا) للسلطة التشريعية أن تسنّ قانوناً جديداً يحتوي بلباس آخر مضمون قانون أبطله المجلس”.
يذكر القرار اجتهاداً فرنسياً تاريخ 08-07-1989 ينحصر في القانون بالذات، ولا يتوجه بلهجة الزامية إلى المجلس التشريعي الفرنسي! أن الطاعنين سنة 2001 (حسين الحسيني، نايلة معوض، فارس سعيد…) يدافعون في الطعن عن المساواة، وحق الموظفين في الترقية، والضمانات الدستورية! ورد في صلب القرار 2001/5 بالذات تأكيد على ما يأتي: “بما أنه ليس ما يحول دون أن يقدم المشترع على تنظيم الوظيفة العامة، على ما فعل في القانون المطعون فيه بشأن المواصفات الواجب توافرها في الأشخاص المعينين من خارج الملاك أو نسبة عددهم إلى مجموع الوظائف من فئتهم داخل الملاك” (مجموعة قرارات المجلس الدستوري، الجزء 1، ص 185-193). إن عدم ذكر تفاصيل اجتهاد سنة 2001 هو اجتزاء لجوهره! القرار، هو مأسسة مقوننة لسلطة نفوذ ومأسسة للزبائنية وتعطيل للمؤسسات الناظمة للإدارة العامة