درج قانونيون، ولا نقول حقوقيين، في كل مرحلة متأزمة في لبنان على محاسبة الدستور والميثاق ووثيقة الطائف… بدلاً من محاسبة المسؤول والمسؤولين! القانون وسيلة تنظيمية بالغة الضرورة والأهمية أما المسؤولية فهي حصراً إنسانية. يوفر مثقفون بدون خبرة وعقائديون وإيديولوجيون ومنظمو ندوات بركة وحصانة لفاسدين ومخادعين. تعمّمت مقولة “الثغرات” والبحث عن ثغرات تبريراً وتغطية لخرق قواعد بديهية في أي منظومة حقوقية. ما معنى ثغرة lacune بالذات في القانون وفلسفة القانون؟
يتم التوسُّع في لبنان بدون حدود في الثغرات في خطاب لبناني في حين لا يحتمل التعبير لغوياً التوسع. لا تعني ثغرة lacune, lacuna مجرد النقص، بل فجوة وفراغاً:
“espace vide, interruption involontaire et fâcheuse dans un texte » (Le Robert).
ويرِد في المعاجم العربية أن الثغرة ليست مجرد نقص، بل “فجوة في مخطوطة، في التفكير…”:
Fissure, cavity, discontinuity
(لسان العرب والمنجد، وروحي بعلبكي، المورد الثلاثي، عربي – إنكليزي – فرنسي).
1. حصر التفاصيل في القوانين الجزائية: يستحيل في أي تشريع ذكر كل التفاصيل وإلا قد يشتمل أي قانون على مئات الصفحات! يذكر رئيس المجلس الدستوري الفرنسي سابقاً Jean-Louis Debré مراجعات طعن في قوانين في فرنسا في أكثر من مئة صفحة في تفاصيل بديهية:
Ce que je ne pouvais pas dire, Robert Laffont, 2016
يقتصر المبدأ الروماني: لا جزاء بدون نص Nulla poena sine lege على القوانين العقابية. في كل القوانين الأخرى قد يتم الاعتماد على المبدأ الروماني حول الأب الصالح bonus pater familias وعلى المبادئ الحقوقية العامة. يقول Jean Carbonnier: “صمت القانون لا يوقف العدالة”:
“Le silence de la loi n’arrête pas la justice”.
2. أنواع الثغرات lacunes: يحمل تعبير ثغرات معاني عديدة متمايزة: يوجد الثغرة الفعلية vraie lacune التي توجب التوضيح، والثغرة التقنية في عدم ذكر آلية تطبيقية، والثغرة في حالات مستجدة كالتوقيع الإلكتروني وبعض الشؤون الطبية والبيئية وغيرها. في حالات أخرى قد تكون القاعدة القانونية غير واضحة بشكل لا توفر إمكانية التطبيق الصحيح. يتوجب في معظم هذه الحالات الاعتبار أن أي تنظيم قانوني محدود أساساً ويرتبط بمنظومة أخلاقية عامة:
Otto Pfersmann, “Lacunes et complétude”, ap. Alland et Rials, dir., Dictionnaire de la culture juridique, PUF, 2003, 1650 p., pp. 911-913.
3. ما معنى ثغرة في الدستور: نصوص الدساتير مقتضبة أساساً وتتمتع بدرجة قصوى من الثبات زمنياً في مضامينها، بخاصة في الإدراك الجماعي لدى شعب بلغ سن الرشد السياسي والنضج. أما البحث المستمر في لبنان حول الدستور والنظام والثغرات… فهو يزعزع شرعية légitimité الكيان الوطني في الإدراك الجماعي.
قد يكون منبع سجال حول الثغرات نزاعات في التنافس السياسي وفي مواجهة نص دستوري بالغ الوضوح في مضمونه وإجراءاته! يتوجب التساؤل باستمرار: هل تنبع الثغرات من النص بالذات أم من سلوكيات منحرفة ونزاعات مصلحية؟ في هذه الحالة الأخيرة فإن أي نص جديد أكثر توضيحاً في إجراءاته لا يمنع سوء التطبيق لأن مصدر سوء التطبيق يكمن في القيادة والذهنيات والسلوكيات وفقدان المحاسبة من مواطنين مقترعين، ولا نقول ناخبين، تجاه من يتولى مسؤوليات عليا.
الحاجة إلى التمييز في الدساتير بين عدة أنواع ثغرات: ثغرات متعلقة بالقيم normatives والتي يتوجب ذكرها، والثغرات التقنية techniques التي قد تتعلق بالمرجعية الإجرائية، والثغرات المرتبطة بسلوكيات قيمية axiologiques:
Julien Jeanneney, Les lacunes constitutionnelles, Dalloz, vol. 154, 2016, 782 p.
4. التباس في دساتير عربية: يمكن أن نذكر في الدساتير العربية في تعديلاتها الأخيرة التباساً، ولا نقول ثغرات، في ما يتعلق بالدين والدولة ومصدر التشريع، بهدف المساهمة في التحوّل الديمقراطي بدون تصادم مع ثقافة سائدة في المجتمع (ا. مسرّه، “التعديلات الجديدة في الدساتير العربية حول الحقوق الدينية والثقافية”، المجلس الدستوري، الكتاب السنوي، الجزء 10، 2016، ص 79-110).
5. لا ثغرات – فجوات في الدستور اللبناني! ما يسعى إليه مطالبون بسد ثغرات في الدستور اللبناني لا يحقق اطلاقاً وقف التحايل وخرق الدستور وتعليق تطبيقه! يعود منبع الخروقات إلى انعدام ثقافة المحاسبة في لبنان بخاصة من خلال الانتخابات (ا. مسرّه، “ثقافة المحاسبة في لبنان من خلال مراجعات الطعون الانتخابية سنة 2009″، المجلس الدستوري، الكتاب السنوي، جزء 11، 2017، ص 187-204).
المثال الأبرز في الدستور اللبناني هو المادة 95 بالذات التي هي ذات طابع استشرافي. ترد تعابير “طائفية” و”طائفية سياسية”، و”إلغاء”، ثم يرد نقل بعض أشكال “الطائفية” إلى “مجلس الشيوخ”…! “الإلغاء” هو بالتالي تخطي “الطائفية” والمعالجة. في المادة 95 بالذات تأكيد على ضرورة التوضيح والتخطيط من خلال تشكيل “هيئة وطنية لدراسة واقتراح الطرق الكفيلة…”.
هل توجد “ثغرات”، بمعنى الفجوة، في ما يتعلق بالمادة 49 التي تجعل من رئيس الجمهورية “رئيساً للدولة يسهر على احترام الدستور”؟ كل الوسائل لممارسة هذا الدور الذي يعلو على مفهوم الصلاحيات واردة تفصيلاً في الدستور، خلافاً لخطاب حول “صلاحيات” و”نزع صلاحيات” من منطلق النفوذ وخلافاً لمفهوم compétence التي تعني تراتبية في المسؤوليات وليس نفوذاً. تم التأكيد على الدور الجديد، أو بالأحرى المتجدد، لرئيس الدولة، خارج منطق الصلاحيات بخاصة في المواد 19، 53، 56، 57.
يُستخلص من ذلك عدم وجود فجوات lacunes، حسب المفهوم الحقوقي لهذا التعبير، بل خروقات لا تحصى في الممارسات والتطبيق والتأويلات والتي لا تعالج من خلال مزيد من التشريع، بل في المؤسسات في قمة الحكم ودولنة المواطنية، أي العمل الجاد لاستعادة المعايير الدستورية وتطبيق الدستور.
تبيّن تاريخية ميثاق الطائف وتعديلات 1990 الخطورة القصوى في استعادة سجالات من الماضي تزعزع الشرعية légitimité في الإدراك الجماعي. قد تستغل هذه السجالات مجدداً من جهات سياسية داخلية وإقليمية، كما حصل في سنوات الحروب 1975-1990، تغذية لنزاعات من الماضي في سياق موازين قوى. إن مراجعة الجذور التاريخية لمجمل بنود وثيقة الوفاق الوطني الطائف هي دليل على ذلك.
*عضو المجلس الدستوري، 2009-2019