سياسة لبنان الخارجية كانت دوماً سبباً للخلاف بين اللبنانيّين وقادتهم ولانقسام يبلغ أحياناً حد النزول الى الشارع وإثارة فتنة داخلية. ومع ذلك فإنهم لم يتعلّموا من الماضي كي يمارسوا في الحاضر والمستقبل سياسة “النأي بالنفس” لأن لا شيء يحمي سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحر ويحصّن وحدته الوطنيّة ويرسّخ الاستقرار العام سوى هذه السياسة التي تحيّد لبنان عن صراعات المحاور بعدما دفع ثمن سياسة الانحياز غالياً أمنياً واقتصادياً.
لقد انقسم اللبنانيّون وقادتهم عام 1943 بين من يريد الاستقلال محصّناً بمعاهدة تعقد مع فرنسا، ومن لا يريد ذلك لكي لا يكون استقلالاً “تاماً ناجزاً”. ثم انقسموا بين من لا يريد الانضمام الى جامعة الدول العربية تطبيقاً لشعار “لا شرق ولا غرب”، ومن يريد انضمامه إليه باعتبار لبنان جزءاً من العالم العربي، وبريطانيا تريد بالتالي ذلك لتكتمل حلقة بسط نفوذها على كل دول المنطقة، لكن من رفضوا الانضمام نجحوا في جعل الدول الأعضاء لا تلتزم القرارات التي تصدر عن الجامعة إلا إذا كانت بالاجماع. وانقسم اللبنانيّون وقادتهم بين من هم مع “التيار الناصري” ومن هم ضدّه، فتألّف “الحلف الثلاثي” من كميل شمعون وبيار الجميل وريمون إده لوقف مد هذا التيار الذي كان قد بلغ سوريا فضمّها الى وحدة مع مصر وخاف من يعارضونه أن يهدّد لبنان فيذيب كيانه في هذه الوحدة. وعندما جرت انتخابات نيابية على أساس أحزاب تؤيّد “التيار الناصري” وأحزاب تعارضه وعلى رأسها “الحلف الثلاثي”، اكتسحت لوائح الحلف الانتخابية كل المقاعد النيابية في الجبل، وإنْ بتأثير مذهبي، وسقطت لوائح ما كان يعرف بالنهج الشهابي حتى في كسروان عقر دار الرئيس فؤاد شهاب. وانقسم اللبنانيّون وقادتهم مرّة أخرى حول الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان، وأدّى انقسامهم الى استقالة الحكومة الرباعية عندما انقسمت على نفسها طائفياً، وهو ما جعل الرئيس شارل حلو يمتنع عن التصويت في مجلس الوزراء، فحال ذلك دون إخراج أول دفعة من المسلّحين الفلسطينيّين من منطقة العرقوب ومنها تمدّدوا الى سائر المناطق. ولم يمنع “اتفاق القاهرة” الذي أثار هو أيضاً خلافاً بين اللبنانيّين وقادتهم قيام “حرب السنتين” بين اللبنانيّين والفلسطينيّين ثم بين اللبنانيّين واللبنانيّين لتتحوّل حرب الآخرين على أرض لبنان ودامت 15 سنة، ولم تتوقّف تلك الحرب إلاّ بعد الموافقة على “اتفاق الطائف” الذي خالفه عدد من القادة في لبنان، وقد فرض وصاية سورية عليه دامت 30 عاماً ولم تنتهِ إلاّ بانتفاضة شعبية عرفت بـ”ثورة الأرز”. وما أن تخلّص لبنان من الوصاية السورية حتى واجه مشكلة سلاح “حزب الله” المدعوم من إيران، فانقسم اللبنانيّون وقادتهم مرّة أخرى حول هذا السلاح، خصوصا بعدما ارتدّ إلى الداخل وأخلَّ بالتوازن السياسي الدقيق، ولا يزال هذا الانقسام محتدماً حتى الآن بين تكتل 8 آذار المؤيّد لسلاح “حزب الله” وللمحور الإيراني – السوري، وتكتّل 14 آذار المناهض له ولهذا المحور. ولم تنجح انتخابات 2005 و2009 التي فازت فيها قوى 14 آذار بأكثرية المقاعد النيابية في حسم الخلاف رغم الاحتكام الى الشعب لأن سلاح “حزب الله” رفض الاعتراف بنتائجها واستطاع فرض حكومات سميت “حكومات وحدة وطنيّة” كاذبة عطّلت فيها الأقليّة قرارات الأكثرية.
لذلك مطلوب من القادة توصّلاً إلى تحقيق مصالحة وطنية شاملة أن يتفقوا على سياسة لبنان الخارجية، هل يريدونها سياسة انحياز لهذا المحور أو ذاك، أم يريدونها سياسة حياد تجنّب الساحة اللبنانيّة تداعيات الانحياز؟ وإذا كان يصعب على القادة في لبنان الاتفاق على السياسة الخارجية، فهل يتوصّل القادة المسيحيّون، ولا سيما منهم الموارنة، الى اتفاق على اعتماد سياسة الحياد أو وقف المد الإيراني كما أوقف “الحلف الثلاثي” المد الناصري؟ لذلك فإن الاتفاق على السياسة الداخلية ووضع الخلافات الشخصيّة والحزبية جانباً لا يكفي ما لم يحصل اتفاق على السياسة الخارجية، إذ لا وحدة صف من دون وحدة هدف. فهل يتفق القادة في لبنان، وبالأخص المسيحيين، على ألا يكون لبنان لا مع شرق ولا مع غرب، ولا مع هذا المحور ولا مع ذاك ليصبح الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي ثابتاً ودائماً فيه، وهو ما تريده الغالبية الساحقة من اللبنانيّين؟